غزوة ذات الرِّقاع
غزوة نجدٍ التي شُرعت فيها صلاة الخوف؛ سمّيت برقاع الأقدام من شدة العناء.
استيقظ النبي ﷺ من قيلولته تحت الشجرة فإذا رجلٌ قائم على رأسه، والسيف — سيفُه هو ﷺ — مصلَتٌ في يد الرجل يقول: من يمنعك مني؟ فأجاب بكلمة واحدة أسقطت السيف…
سبب الغزوة
بلغ النبيَّ ﷺ أن أعرابَ نجدٍ من غطفان — بني محارب وبني ثعلبة — قد جمعوا الجموع يريدون الإغارة على المدينة؛ وذلك بعد إجلاء بني النضير في قول أكثر أهل السير، ورجّح بعض المحققين تأخر الغزوة إلى ما بعد خيبر. وأعراب نجد كانوا خطرًا من نوعٍ خاص: بدوٌ لا تحدّهم حصون فتُحاصَر، ولا ديار فتُغزى، يضربون ثم يذوبون في الصحراء — وقد ذاق المسلمون غدرَ أعرابِ نجدٍ من قبلُ يوم بئر معونة. فرأى ﷺ أن يفاجئهم في بلادهم قبل أن يكتمل جمعهم؛ ليعلموا أن ذراع المدينة تطولهم في عقر بواديهم، فخرج في أصحابه متوغلًا في نجد. وكان العتاد قليلًا والطريق قاسية: قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: كنا ستة نفرٍ بيننا بعيرٌ نعتقبه، فنقبت أقدامنا، فكنا نلفّ عليها الخِرَق — فسميت ذات الرقاع. فماذا وجدوا حين بلغوا ديار الجمع؟
رعبٌ بلا معركة
لما بلغ المسلمون محالَّ القوم، فرّ الأعراب في رؤوس الجبال وتركوا ديارهم — قذف الله في قلوبهم الرعب من جيشٍ جاءهم من حيث لم يحتسبوا. ووقف الجمعان يتراءيان: يخاف هؤلاء غدرة أولئك، ويخاف أولئك صولة هؤلاء، ولا يجرؤ أحدٌ على النزول. وفي هذا الموقف المتوتر — والعدو رقيبٌ من فوق الجبال والصلاة حاضرة — علّم الله نبيَّه كيف تُقام الصلاة في وجه الخطر: طائفةٌ تصلي خلفه ركعةً وطائفة تحرس بأسلحتها، ثم يتبادلون. فلا الخوف يُسقط الصلاة، ولا الصلاة تكشف الظهر للعدو. وانصرف الجيش بلا قتال وقد بلغت الرسالة: نجدٌ لم تعد بعيدة عن يد المدينة…
من يمنعك مني؟
وفي طريق القفول أدركتهم القائلة في وادٍ كثير الشجر، فتفرق الناس يستظلون، وعلّق النبي ﷺ سيفه بشجرةٍ ونام. فما استيقظ إلا ورجلٌ من الأعراب — غَورث بن الحارث على ما ذكر أهل السير — قائمٌ على رأسه وقد اخترط السيف، يقول: من يمنعك مني؟ قال ﷺ وما في قلبه ذرة فزع: «الله». فسقط السيف من يد الرجل، فأخذه النبي ﷺ وقال: «من يمنعك مني؟» قال: كن خير آخذ. فعفا عنه وخلّى سبيله — فرجع الرجل إلى قومه يقول: جئتكم من عند خير الناس. وقد ثبتت القصة في الصحيحين من حديث جابر، وجعلها بعض أهل السير في ذات الرقاع وقيل في غيرها. وهكذا عادت الغزوة التي لم يقع فيها قتال، وقد ربحت هيبةً في نجد، وفقهًا للصلاة، وشاهدًا خالدًا على توكّل النبي ﷺ.
المصادر والمراجع
- مشروعية صلاة الخوفالقرآن الكريم (النساء ١٠٢)
- سبب التسميةصحيح البخاري (٤١٢٨)
- خبر الغزوة وقصة الأعرابيصحيح البخاري وصحيح مسلم (حديث جابر — «من يمنعك مني؟»)
- سياق الغزوةالرحيق المختوم — صفيّ الرحمن المباركفوري