السابقون الأولون ودار الأرقم
بعد «قم فأنذر» بدأت الدعوة همسًا: امرأة وصبي ومولى وصدّيق، ثم دارٌ عند الصفا صارت أول مدرسة في الإسلام — ثلاث سنوات سرًّا.
لم تبدأ أعظم دعوةٍ في التاريخ بخطبةٍ في جمعٍ حاشد، بل بحديثٍ هامس بين زوجين في بيتٍ واحد… ثم امتدت شرارتها من قلبٍ إلى قلب، وقريشٌ من حولها لا تكاد تشعر.
قم فأنذر
بعد فترةٍ انقطع فيها الوحي، جاءه جبريل مرةً أخرى، فرجع ﷺ إلى خديجة يرجف فؤاده يقول: «زمّلوني زمّلوني»، فأنزل الله عليه آياتٍ حوّلت حياته من متعبّدٍ منقطع إلى نذيرٍ مأمور. من تلك الليلة لم يعد للراحة طريقٌ إليه: كُلّف أن يحمل هذا الدين إلى قومٍ يعبدون الحجارة ويقتتلون على الثارات — ومن أين يبدأ؟ من الأقرب فالأقرب، ومن القلوب التي يعرف صفاءها…
امرأة وصبي ومولى وصدّيق
آمنت به خديجة ولم تتردد لحظة، فكانت أول من أسلم على الإطلاق. وأسلم عليُّ بن أبي طالب وهو صبيٌّ في نحو العاشرة، كان في كفالة النبي ﷺ. وأسلم زيد بن حارثة مولاه وحِبّه. ثم صديق عمره أبو بكر بن أبي قحافة، الذي ما عرض عليه الإسلام حتى قال: صدقت — فقال ﷺ فيه: «ما دعوتُ أحدًا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة، غير أبي بكر». ولم يكتف أبو بكر بإسلامه: كان رجلًا محببًا تاجرًا مألفًا، فجعل يدعو من يثق به، فأسلم على يده عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله — خمسةٌ سيكونون من العشرة المبشرين بالجنة. وضاق الهمس بالدعوة، فاحتاجت بيتًا يجمعها…
دار الأرقم
اختار ﷺ دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي عند الصفا مقرًّا خفيًّا: فيها يلتقي بأصحابه، يقرئهم ما نزل من القرآن، ويزكّيهم ويعلّمهم — أولُ مدرسةٍ في الإسلام. وكان أكثر من استجاب له ضعفاء الناس وفقراءهم: بلال الحبشي، وعمار بن ياسر وأبواه، وصهيب الرومي، وخبّاب بن الأرتّ؛ فالفطرة السليمة لا يحجبها فقر. ثلاث سنين كاملة والدعوة على هذا السر، حتى بلغ المسلمون نحو أربعين. ثم نزل الأمر الذي لا مردّ له: «فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَر»… وحان وقت المواجهة.
المصادر والمراجع
- أوائل من أسلمالسيرة النبوية — ابن هشام (ذكر أول من أسلم)
- مرحلة الدعوة السرية ودار الأرقمالرحيق المختوم — صفيّ الرحمن المباركفوري
- إسلام أبي بكر ومن أسلم على يدهالبداية والنهاية — ابن كثير