بناء الكعبة وحكم الحجر الأسود
قريش تعيد بناء الكعبة قبل البعثة بخمس سنين، فيقع الخلاف على شرف رفع الحجر الأسود حتى كادت السيوف تُسلّ… فجاء الحل من الأمين.
خمس قبائل من قريش وقفت متربصةً حول حفرة الأساس، كلٌّ منها يرى أن شرف وضع الحجر الأسود له وحده، وبعضها أخرج جفنةً مملوءة دمًا غمسوا فيها أيديهم عهدًا على القتال…
جدرانٌ أوهنها السيل
كانت الكعبة يومئذ رَضْمًا من حجارة فوق القامة قليلًا، بلا سقف، وقد تصدّعت جدرانها وأوهنها سيلٌ جارف اجتاح مكة. فأجمعت قريش على إعادة بنائها، وتعاهدوا ألا يُدخلوا في بنائها إلا مالًا طيبًا: لا مهر بَغِيّ، ولا بيع ربًا، ولا مظلمة أحد — حتى إنهم لما قصرت بهم النفقة الطيبة أخرجوا من البناء قدرًا سموه «الحِجْر». وهابوا هدمها حتى بدأهم الوليد بن المغيرة فأخذ المعول وقال: اللهم لم نُرد إلا الخير. ثم قسموا العمل بين القبائل، وشارك محمدٌ ﷺ — وهو في نحو الخامسة والثلاثين — ينقل الحجارة مع عمه العباس. ومضى البناء في وفاق… حتى بلغوا موضع الحجر الأسود.
على شفا اقتتال
اختصمت القبائل: من يفوز بشرف رفع الحجر الأسود إلى موضعه؟ كلُّ قبيلة تريدها لنفسها، حتى تحالفوا وتواعدوا للقتال، ومكثوا على ذلك ليالي، وكادت مكة تشتعل حربًا على حجر. ثم اجتمعوا في المسجد يتشاورون، فقال أبو أمية بن المغيرة — وكان يومئذ أسنّ قريش —: يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أولَ من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم. فرضوا جميعًا، وتعلقت الأبصار بالباب… فلما رأوا الداخل هتفوا من كل جانب: هذا الأمين، رضيناه، هذا محمد!
حكمة تُطفئ الفتنة
لم ينحز ﷺ إلى قبيلته، ولم يستأثر بالشرف لنفسه. قال: «هلمّ إليّ ثوبًا»، فأُتي به، فوضع الحجر الأسود فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلةٍ بناحيةٍ من الثوب ثم ارفعوه جميعًا. فرفعوه معًا حتى بلغوا به موضعه، فوضعه ﷺ بيده الشريفة في مكانه، وبُني عليه. فرضيت القبائل كلها، وانطفأت فتنةٌ كادت تسفك الدماء — بثوبٍ وعقلٍ راجح. هكذا عرفت قريش قبل النبوة بخمس سنين أن هذا الرجل يحمل من الحكمة ما يطفئ به نار العصبية… فيا عجبًا كيف كذّبته حين دعاها إلى ما هو أعظم!
المصادر والمراجع
- بنيان قريش الكعبة وقصة التحكيمالسيرة النبوية — ابن هشام (بنيان الكعبة)
- سياق الحادثة ودلالاتهاالرحيق المختوم — صفيّ الرحمن المباركفوري
- حديث عائشة في بناء قريش للكعبةصحيح البخاري (كتاب الحج)