غزوة مُؤتة
أول ملاقاة كبرى مع الروم؛ استشهد الأمراء الثلاثة وأخذ الراية سيفٌ من سيوف الله.
في المدينة، صعد النبي ﷺ المنبر وعيناه تذرفان، يصف لأصحابه معركةً تدور على بعد شهرٍ من السير: «أخذ الرايةَ زيدٌ فأُصيب…» — والخبر لم يصل بعد.
سبب الغزوة
كانت رسل النبي ﷺ تمضي إلى الملوك والأمراء آمنةً؛ فالرسول لا يُقتل في أعراف الأمم جميعًا. حتى بعث ﷺ الحارث بن عُمير الأزدي بكتابٍ إلى صاحب بُصرى، فلما نزل مؤتة اعترضه شُرَحبيل بن عمرو الغسّاني — عامل قيصر على البلقاء — فقدّمه فضرب عنقه صبرًا. لم يُقتل لرسول الله ﷺ رسولٌ غيره، وقتل الرسل إعلان حربٍ صريح لا تسكت عنه دولة. فاشتد ذلك على النبي ﷺ وجهّز جيشًا قوامه ثلاثة آلاف — أكبر جيوش المسلمين حتى يومها إلا الأحزاب — وقال قولته التي رتّبت القيادة ترتيبًا لم يُعهد: «عليكم زيد بن حارثة، فإن أُصيب فجعفر بن أبي طالب، فإن أُصيب فعبد الله بن رواحة». ثلاثة أمراء يسمّيهم في نسقٍ واحد… وكأنه ﷺ يعلم ما ينتظرهم.
ثلاثة آلاف أمام مائتي ألف
سار الجيش حتى بلغ معانَ من أرض الشام، فإذا الخبر — فيما ذكر أهل السير —: هرقل قد نزل في مائة ألفٍ من الروم، وانضم إليهم مائة ألفٍ من متنصّرة العرب — لخم وجذام وبَلقين. فأقام المسلمون ليلتين يتشاورون: نكتب إلى رسول الله ﷺ نستمده؟ فقام عبد الله بن رواحة يحمّس الناس: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون — الشهادة! وما نقاتل الناس بعددٍ ولا قوة، إنما نقاتلهم بهذا الدين؛ فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: ظهورٌ أو شهادة. فمضى القوم حتى التقوا بالجموع عند قريةٍ يقال لها مؤتة. أخذ الراية زيد بن حارثة — حِبّ رسول الله ﷺ — فقاتل حتى شاطت الرماح في جسده. فأخذها جعفر، فلما ألحمه القتال اقتحم عن فرسه وقاتل حتى قُطعت يمينه فأخذ الراية بشماله، فقُطعت فاحتضنها بعضديه حتى قُتل — وفيه قال ﷺ إن الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة. ثم أخذها ابن رواحة فتردد تردّدةً ثم مضى فقاتل حتى استُشهد…
سيف من سيوف الله
اصطلح الناس بعد ابن رواحة على خالد بن الوليد — وما مضى على إسلامه إلا أشهر. فأمسك الجيش من التمزق، وقاتل حتى اندقّت في يده تسعة أسياف كما أخبر عن نفسه، ثم أعمل عبقريته: أعاد ترتيب الجيش ليلًا — ميمنةً مكان الميسرة ومقدمةً مكان الساقة — فظن الروم أن مددًا جاءهم، وانحاز بالجيش انحيازًا منظمًا حفظه من الفناء أمام قوةٍ تفوقه ستين ضعفًا. وفي المدينة كان الوحي ينقل المشهد أولًا بأول: نعى النبي ﷺ الأمراء الثلاثة لأصحابه قبل أن يجيء الخبر، وعيناه تذرفان، ثم قال: «حتى أخذ الراية سيفٌ من سيوف الله ففتح الله عليهم» — فسُمّي خالد من يومها سيفَ الله. ورجع الجيش وقد وضع لهيبة المسلمين قدمًا في وجه أعظم إمبراطورية على الأرض؛ فما مضت سنتان حتى كانت تبوك، وبعدها فتوح الشام.
المصادر والمراجع
- نعي النبي ﷺ الأمراءَ وخبر خالدصحيح البخاري (٤٢٦٢)
- سبب البعث: مقتل الحارث بن عميرالسيرة النبوية — ابن هشام (غزوة مؤتة)
- أحداث المعركة وانحياز خالدالرحيق المختوم — صفيّ الرحمن المباركفوري
- ثبات جعفر رضي الله عنهزاد المعاد — ابن القيم (فصل في غزوة مؤتة)