الجهر بالدعوة
«وأنذر عشيرتك الأقربين»: صعد الصفا ونادى قريشًا كلها، فصدّقوه في الخبر وكذّبوه في الرسالة — وبدأت المواجهة.
«يا صباحاه!» — صرخة النذير التي لا يطلقها العربي إلا عند غارةٍ داهمة. خرجت قريش مسرعةً من بيوتها نحو الصفا… لتجد الصادق الأمين وحده على الجبل، يحمل نذارةً من نوعٍ لم يعرفوه قط.
وأنذر عشيرتك الأقربين
بعد ثلاث سنين من السر، نزل الأمر الإلهي بالانتقال إلى العلن، وبدأ بالأقربين. صنع ﷺ طعامًا ودعا بني هاشم وبني المطلب، فلما أراد الكلام بادره عمه أبو لهب بالإساءة فتفرّق الجمع. ثم عاد فدعاهم ثانيةً وقال: «إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر؟» فأحجم القوم جميعًا، إلا صبيًّا نحيلًا قام — فيما ذكر أهل السير — يقول: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه — عليُّ بن أبي طالب. ضحك القوم يومها… وما دروا أن هذا الصبي سيَصدُق ما قال.
على الصفا
ثم صعد ﷺ الصفا فهتف: «يا صباحاه!» فاجتمعت إليه قريش، فقال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقيّ؟» قالوا: نعم، ما جرّبنا عليك إلا صدقًا. قال: «فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديد». ودعا البطون بطنًا بطنًا: يا بني كعب، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب — «أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا». شهادةُ الصدق انتزعها منهم قبل أن يبلّغهم، فلما بلّغهم لم يجدوا في صدقه مطعنًا… فطعنوا في الرسالة نفسها.
تبّت يدا أبي لهب
كان أشدَّ الحاضرين غيظًا عمُّه أبو لهب، قام يقول: تبًّا لك سائرَ اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله سورةً كاملة تُتلى إلى يوم القيامة: «تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ». ومن يومها انقلبت مكة: الرجل الذي كانوا يحكّمونه في خلافاتهم صار خصمهم الأول، لأنه مسّ آلهتهم وعقائد آبائهم وسفّه أحلامهم. بدأت حرب الكلمة: ساحرٌ، شاعرٌ، مجنون… فلما لم تُجدِ الكلمة شيئًا، والقرآن يزداد في القلوب نفاذًا، انتقلوا إلى ما هو أقسى — وكان المستضعفون أول من دفع الثمن…
المصادر والمراجع
- حديث الصعود على الصفاصحيح البخاري (تفسير سورة الشعراء)
- الجهر بالدعوة وموقف قريشالرحيق المختوم — صفيّ الرحمن المباركفوري
- سياق المرحلة الجهريةالسيرة النبوية — ابن هشام (أمر الله رسوله بإظهار دعوته)