غزوة بني المصطلق (المُرَيسيع)
غزوةٌ سنة ٥هـ؛ وفي منصرفها كانت فتنة الإفك التي برّأ الله منها أمَّ المؤمنين من فوق سبع سماوات.
غزوةٌ حُسمت في ساعة… لكن طريق العودة منها كان أخطر من ميدانها: كلمةُ نفاقٍ كادت تشق الصف، وكلمةُ إفكٍ اهتز لها بيت النبوة شهرًا كاملًا حتى تكلمت السماء.
سبب الغزوة
في سنة ٥هـ على المشهور — وقيل ٦هـ — بلغ النبيَّ ﷺ أن الحارث بن أبي ضِرار، سيد بني المصطلق من خزاعة، يسير في قومه ومن جمع من العرب يريد حرب المدينة. لم تكن قبيلةً نائية الشأن؛ فمنازلهم على طريق قوافل قريش قرب ساحل البحر، وكانوا في صف أعداء الدعوة منذ شهد بعضُهم أُحدًا مع المشركين. فبعث ﷺ بُريدة بن الحُصيب يستوثق من الخبر، فعاد يؤكده: القوم جادّون في الجمع. وهنا قرر النبي ﷺ ألا ينتظر الحرب على أسوار المدينة كما انتظرها يوم الخندق، بل يفاجئ الجامعين في عقر دارهم قبل اكتمال جمعهم — فخرج مسرعًا في أصحابه، ومعه هذه المرة جمعٌ من المنافقين ما خرجوا في مثلها قبلُ، طمعًا في غنيمةٍ قريبة… وكان خروجهم شرًّا سيظهر أثره في الطريق.
المباغتة على الماء
باغت النبي ﷺ بني المصطلق وهم غارّون على ماءٍ لهم يقال له المُرَيسيع، وقد تفرّق عنهم من كان اجتمع إليهم من العرب لما سمعوا بمسيره. صفّ أصحابه وحمل القوم حملةً واحدة، فما ثبتوا إلا قليلًا: قُتل من قُتل وأُسر الباقون بنسائهم وذراريهم وأموالهم، وحسم الأمر في ساعة. وكان في السبي جويرية بنت الحارث، بنت سيد القوم، فجاءت النبي ﷺ تستعين في مكاتبتها، فأدّى عنها وتزوجها، فقال المسلمون: أصهارُ رسول الله ﷺ لا يليق أن يبقوا في الرقّ — فأعتقوا مائة أهل بيتٍ من بني المصطلق. قالت عائشة رضي الله عنها: فما نعلم امرأةً كانت أعظم بركةً على قومها منها. ودخل القوم بعدها في الإسلام. انتهى القتال بخيرٍ عميم… لكن الفتنة كانت تتربص بطريق العودة.
فتنة الطريق
على الماء تلاحى أجيرٌ للمهاجرين ورجلٌ من الأنصار، فصرخ هذا: يا للأنصار! وذاك: يا للمهاجرين! فقال النبي ﷺ: «دعوها فإنها منتنة» — دعوى الجاهلية لا مكان لها في أمة التوحيد. وغاظ ذلك عبدَ الله بن أُبيّ فقال لمن حوله: لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجنَّ الأعزُّ منها الأذل! فأنزل الله سورة المنافقين تفضحه وتشهد أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. ثم كان أعظم من ذلك: تخلفت أم المؤمنين عائشة في طلب عقدٍ لها فحُمل هودجها وليست فيه، فرجعت فحملها صفوان بن المعطَّل على بعيره — فأطلق ابن أُبيّ كلمة الإفك، وخاض فيها من خاض شهرًا كاملًا والوحي ممسك، حتى نزلت براءتها من فوق سبع سماوات في آياتٍ تُتلى إلى يوم القيامة.
المصادر والمراجع
- براءة عائشة — آيات الإفكالقرآن الكريم (النور ١١–٢٦)
- خبر الغزوة والإفكصحيح البخاري (٤١٤١)
- سبب الغزوة وسيرهاالسيرة النبوية — ابن هشام (غزوة بني المصطلق)
- زواجه ﷺ بجويرية وبركته على قومهاالرحيق المختوم — صفيّ الرحمن المباركفوري