غزوة الخندق (الأحزاب)
حصارٌ للمدينة في السنة الخامسة، حفر فيه المسلمون خندقًا بمشورة سلمان الفارسي، فردّ الله الأحزاب بريحٍ وجنودٍ لم يروها.
عشرة آلاف مقاتل يطبقون على مدينةٍ لا يزيد مقاتلوها على ثلاثة آلاف… والمحرّض ليس قريشًا هذه المرة، بل رجالٌ أخرجهم النبي ﷺ من المدينة نفسها، طافوا بالقبائل يشترون الحرب شراءً.
سبب الغزوة
لما أُجلي بنو النضير عن المدينة بعد غدرهم، لم يقعد زعماؤهم عن الانتقام؛ فخرج حيي بن أخطب وسلّام بن أبي الحقيق في نفرٍ من يهود إلى مكة، يحرّضون قريشًا على غزو المدينة ويقولون لهم: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. حتى إن قريشًا سألتهم — وهم أهل كتاب —: أديننا خيرٌ أم دين محمد؟ فقالوا: بل دينكم! فنشطت قريش للحرب، ثم طاف الوفد بغطفان فأطمعوها في تمر خيبر عامًا كاملًا، وتبعتهما بنو سُليم وأشجع وفزارة. فاجتمع من الأحزاب نحو عشرة آلاف — أكبر جيشٍ رأته الجزيرة يومئذ — هدفهم المعلن: استئصال المسلمين من أصلهم لا مجرد كسر شوكتهم. فالسبب المباشر: ثأر بني النضير وتحريضهم، وتحته حلمُ قريشٍ القديم بإنهاء الدولة التي أعجزتها. وبلغ الخبرُ المدينة… فماذا يصنع ثلاثة آلاف أمام عشرة؟
خندقٌ لم تعرفه العرب
جمع النبي ﷺ أصحابه للمشورة، فأشار سلمان الفارسي بخطةٍ ما عرفتها العرب: «يا رسول الله، إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا». فأُعجب بها ﷺ، وقسّم الخندق على الأصحاب في الجهة الشمالية المكشوفة، وعمل بيده معهم ينقل التراب حتى وارى الترابُ جلدة بطنه، وهم يرتجزون وهو يرتجز معهم: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة». واشتد بهم الجوع حتى ربطوا الحجارة على البطون. وعرضت في الحفر صخرةٌ عجزت عنها المعاول، فنزل ﷺ فضربها ثلاثًا، يقول مع كل ضربةٍ برقت منها بارقة: أُعطيت مفاتيح الشام… مفاتيح فارس… مفاتيح اليمن — بشاراتٌ بالفتح تُقال والجيوش زاحفةٌ للاستئصال! ووصل الأحزاب فإذا بينهم وبين المدينة خندقٌ حائل، فراحوا يناوشون على ثغراته والحصار يشتد…
ريحٌ وجنود لم تروها
اشتد البلاء حتى وصفه القرآن: ﴿وبلغت القلوب الحناجر﴾، وغدر بنو قريظة في أثناء الحصار فنقضوا عهدهم من داخل المدينة، فعظم الكرب. ثم جاء الفرج من حيث لا يحتسبون: أسلم نعيم بن مسعود الغطفاني سرًّا وجاء النبيَّ ﷺ يعرض نفسه، فقال له: «إنما أنت فينا رجلٌ واحد، فخذّل عنا إن استطعت؛ فإن الحرب خدعة». فمشى نعيم بين قريظة وقريشٍ وغطفان بكلامٍ صدّق بعضُه بعضًا، حتى تخاذل الحلفاء وانفرط عقدهم. ثم أرسل الله على المعسكر في ليلةٍ شاتية ريحًا صرصرًا تقتلع الخيام وتكفأ القدور، وجنودًا من الملائكة لم يروها، فقام أبو سفيان يقول: ارتحلوا فإني مرتحل. وأصبح المسلمون فإذا الأرض قد أخلاها الله، وقال ﷺ كلمته التي حوّلت مسار الصراع: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا» — فما غزت قريش المدينة بعدها أبدًا.
المصادر والمراجع
- غزوة الأحزابالقرآن الكريم (الأحزاب ٩–٢٧)
- حفر الخندقصحيح البخاري (٤١٠١)
- تحريض حيي بن أخطب وجمع الأحزابالسيرة النبوية — ابن هشام (غزوة الخندق)
- سير الغزوة وتدبير نعيم بن مسعودالرحيق المختوم — صفيّ الرحمن المباركفوري
- قوله ﷺ: الآن نغزوهم ولا يغزونناصحيح البخاري (٤١١٠)