الإسراء والمعراج
رحلة ليلة واحدة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم إلى السماوات العلى — تكريمٌ رباني بعد عام الحزن، وفيها فُرضت الصلوات الخمس.
بعد أقسى عامٍ في حياته ﷺ — فقد فيه ناصرَه وسكنَه، ورُدّ من الطائف بالحجارة — جاءه من السماء ما لم يخطر لبشرٍ على بال: رحلةٌ تُطوى فيها الأرض، وتُفتح فيها أبواب السماوات.
من البيت الحرام إلى بيت المقدس
في ليلةٍ من ليالي مكة، وبينما هو ﷺ نائم عند البيت، أتاه جبريل عليه السلام بدابةٍ بيضاء دون البغل وفوق الحمار، يقال لها البُراق، يضع حافره عند منتهى طرفه. ركبه ﷺ فسار به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في ليلةٍ واحدة — مسيرة شهرٍ للقوافل. وهناك ربط البُراق بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ودخل فصلى بالأنبياء إمامًا: إبراهيم وموسى وعيسى ومن معهم، صلاةً جمعت قافلة النبوة كلها خلف خاتمها. ثم أُتي بإناءين: خمرٍ ولبن، فاختار اللبن، فقال له جبريل: «الحمد لله الذي هداك للفطرة». ولم تكن هذه إلا بداية الرحلة…
المعراج إلى السماوات
ثم عُرج به ﷺ إلى السماء الدنيا، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم — فيُفتح له، ويلقاه في كل سماءٍ نبي: آدم في الأولى، ويحيى وعيسى في الثانية، ويوسف في الثالثة، وإدريس في الرابعة، وهارون في الخامسة، وموسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة مسندًا ظهره إلى البيت المعمور الذي يدخله كل يوم سبعون ألف ملَك لا يعودون إليه. ثم رُفع إلى سدرة المنتهى، فغشيها من أمر الله ما غشيها، فما زاغ البصر وما طغى. وهناك فرض الله على أمته الصلوات: خمسين صلاةً في اليوم والليلة. وفي طريق النزول كان موسى عليه السلام ينتظره بنصيحة…
خمسٌ وهي خمسون
مرّ ﷺ بموسى، فسأله: بمَ أُمرت؟ قال: بخمسين صلاة كل يوم. قال موسى: إن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. فما زال ﷺ يتردد بين ربه وبين موسى، والله يضع عنه خمسًا خمسًا، حتى صارت خمسًا، ونادى منادٍ: هي خمسٌ في العمل، وخمسون في الأجر. فلما أصبح ﷺ وحدّث قريشًا، ارتدّ ناسٌ ممن كان أسلم، وسعى المشركون إلى أبي بكر يظنونها فرصتهم: أتصدّقه أنه أتى الشام في ليلة؟ فقال كلمته التي بقيت وسامًا له: «إن كان قال فقد صدق، إني لأصدّقه فيما هو أبعد من ذلك» — فسمّي الصدّيق. وسألوه ﷺ وصف بيت المقدس، فرفعه الله له فطفق يخبرهم عن آياته وهو ينظر إليه. وقد اختلف أهل السير في تحديد سنة الإسراء وشهره، والأشهر أنه كان بعد الطائف وقبل الهجرة بنحو سنة. وبينما مكة تكذّب وتسخر، كانت السماء تدبّر للدعوة أنصارًا من بلدٍ آخر…
المصادر والمراجع
- حديث الإسراء والمعراجصحيح البخاري (كتاب مناقب الأنصار — حديث المعراج)
- فرض الصلوات الخمس ليلة المعراجصحيح مسلم (كتاب الإيمان — الإسراء برسول الله ﷺ)
- سياق الرحلة وموقف قريشالرحيق المختوم — صفيّ الرحمن المباركفوري
- الخلاف في تاريخ الإسراءزاد المعاد — ابن القيم (فصل في الإسراء)