الرضاعة في بني سعد وشق الصدر
حليمة السعدية تأخذ الرضيع اليتيم فتحلّ البركة على بيتها، وحادثة شق الصدر التي طهّر الله بها قلب نبيّه في طفولته.
جاءت حليمة إلى مكة على أتانٍ ضعيفة أعيت من الهزال، تبحث كسائر مرضعات بني سعد عن رضيعٍ من بيوت الوجهاء… فرجعت النساء كلهن برضيع، إلا هي لم تجد سوى يتيمٍ زهد فيه الجميع.
اليتيم الذي زهدوا فيه
كان من عادة أشراف العرب أن يدفعوا أبناءهم إلى المراضع في البادية؛ لتشتدّ أجسامهم، وتفصح ألسنتهم بالعربية النقية، بعيدًا عن أدواء المدن. وفي ذلك الموسم قدمت نسوة من بني سعد بن بكر إلى مكة، فما منهن امرأة إلا عُرض عليها محمدٌ فأبته حين علمت أنه يتيم — فأي خيرٍ يُرجى من أبٍ ميت؟ وضاق الوقت بحليمة بنت أبي ذؤيب ولم تجد غيره، فقالت لزوجها: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي وليس معي رضيع، لآخذنَّ ذلك اليتيم. فأخذته… وهي لا تدري أنها أخذت البركة كلها إلى بيتها.
البركة تحلّ على بيت حليمة
تروي حليمة أنها منذ ضمّته إليها أقبل ثدياها باللبن بعد أن كان صبيّها يبكي من الجوع، وشبعت شارِفهم — ناقتهم المسنّة — ودرّت، وانطلقت أتانها الضعيفة في طريق العودة تسبق الركب حتى عجبت صواحبها: يا بنت أبي ذؤيب، أهذه أتانك التي خرجتِ عليها؟ وأصبحت أرض بني سعد الجدبة تروح غنم حليمة منها شباعًا حُفّلًا. فلما بلغ الصبي عامين وأرادت أمه استرداده، ألحّت حليمة أن يبقى عندها حرصًا على بركته، فأذنت لها آمنة. وبقي في البادية يشبّ شبابًا لا يشبّه الغلمان… حتى كان اليوم الذي عاد فيه أخوه من الرضاعة يعدو فزعًا.
شق الصدر
بينما كان الغلام يلعب مع الصبية خلف البيوت، جاءه جبريل عليه السلام فأخذه فصرعه، فشقّ عن قلبه، فاستخرج منه علقةً وقال: «هذا حظّ الشيطان منك»، ثم غسله في طستٍ من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه — أي ضمّه وأعاده — وردّه إلى مكانه. وجاء الصبية يسعون إلى حليمة يقولون: إن محمدًا قد قُتل! فاستقبلوه وهو منتقع اللون. يقول أنس بن مالك رضي الله عنه راوي الحديث: «وقد كنت أرى أثر ذلك المِخيَط في صدره». خافت حليمة على الغلام بعدها، فردّته إلى أمه بمكة، وبقيت في قلبه ﷺ لبني سعد يدٌ لا تُنسى؛ ويُروى عنه: «أنا أعربُكم: أنا قرشيٌّ واسترضعت في بني سعد». وهناك في مكة، كانت تنتظره رحلةٌ قصيرة مع أمه… لم يكتب لها أن تكتمل.
المصادر والمراجع
- الرضاعة في بني سعد وقصة حليمةالسيرة النبوية — ابن هشام (رضاعه ﷺ)
- حديث شق الصدرصحيح مسلم (كتاب الإيمان)
- سياق الأحداث ودلالاتهاالرحيق المختوم — صفيّ الرحمن المباركفوري