اليُتم والكفالة
وفاة آمنة بالأبواء، ثم كفالة عبد المطلب فأبي طالب — سنوات اليتم التي صنع الله فيها قلبًا يعرف وجع الفقد ورحمة الضعيف.
في السادسة من عمره، وقف طفلٌ على قبر أمه في الطريق بين المدينة ومكة. لم يكن قد عرف أباه قط… والآن يفقد أمه أيضًا.
الأبواء
خرجت آمنة بنت وهب بابنها إلى المدينة تزور أخواله من بني النجار وقبر زوجها عبد الله الذي مات وهو جنينٌ في بطنها. ومعهما حاضنته أم أيمن بركة الحبشية. أقاموا شهرًا ثم قفلوا راجعين، وفي موضعٍ يقال له الأبواء اشتد بآمنة المرض، فماتت ودُفنت هناك، وعاد الطفل إلى مكة مع أم أيمن يتيمَ الأبوين جميعًا. وبعد سنين طويلة زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله — كما ثبت في صحيح مسلم، وذكر بعض أهل السير أن ذلك كان بالأبواء في بعض أسفاره. لكن الله لم يكن ليَدَع هذا اليتيم وحده…
في كنف عبد المطلب
ضمّه جدُّه عبد المطلب، سيد قريش، وأحبّه حبًّا لم يحبه أحدًا من ولده. كان يُوضع لعبد المطلب فراشٌ في ظل الكعبة لا يجلس عليه أحدٌ من بنيه إجلالًا له، فكان الغلام يأتي حتى يجلس عليه، فيذهب أعمامه ليؤخروه، فيقول عبد المطلب: «دعوا ابني، فوالله إن له لشأنًا». ولكن الفقد كان يطارد الصبي: فما هي إلا سنتان حتى مات عبد المطلب، وللغلام ثماني سنين، فبكاه بكاءً شديدًا وهو يتبع سريره. ثلاثة أحبةٍ في ثماني سنين… فمن يحتضنه الآن؟
أبو طالب — أربعون سنة من الحماية
أوصى عبد المطلب بحفيده إلى ابنه أبي طالب — وكان شقيق عبد الله والد النبي ﷺ — فضمّه إلى بيته وقدّمه على أبنائه، رغم أنه كان مُقِلًّا ذا عيال. لزمه النبي ﷺ ولزمته البركة؛ حتى روي أن أهل بيت أبي طالب كانوا إذا أكلوا وحدهم لم يشبعوا، وإذا أكل معهم شبعوا. ولم تكن كفالة أبي طالب طعامًا ومأوى فحسب، بل صارت بعد البعثة درعًا دون قريشٍ كلها، أربعين سنةً كاملة من الحماية لم تنقطع إلا بموته. وهكذا نشأ النبي ﷺ يتيمًا في ظاهر الأمر، مكفولًا بعناية الله في حقيقته.
المصادر والمراجع
- وفاة آمنة وكفالة عبد المطلبالسيرة النبوية — ابن هشام (وفاة آمنة)
- كفالة أبي طالبالرحيق المختوم — صفيّ الرحمن المباركفوري
- البداية والنهاية — سيرة النبي ﷺالبداية والنهاية — ابن كثير