عام الحزن
في عامٍ واحد فقد النبي ﷺ أبا طالب الذي حماه وخديجة التي آوته — فاجتمع على قلبه الحزن واشتد عليه الأذى، وسمّاه أهل السير عام الحزن.
على فراش الموت رقد الرجل الذي حمى الدعوة أربعين سنة، وعند رأسه ابنُ أخيه يرجوه كلمةً واحدة… وعند قدميه صناديدُ قريش يذكّرونه بملة الآباء.
يا عم، قل لا إله إلا الله
خرج أبو طالب من حصار الشعب شيخًا منهكًا، فلم يلبث أن مرض مرض الموت. دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال: «يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمةً أُحاجُّ لك بها عند الله». فقال أبو جهل وصاحبه: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى كان آخر ما قال: على ملة عبد المطلب. فقال النبي ﷺ: «لأستغفرنَّ لك ما لم أُنهَ عنك»، فأنزل الله: «ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين»، وأنزل في عمّه خاصة آيةً تضع حدَّ البشر جميعًا…
رحيل خديجة
ولم تمضِ على وفاة أبي طالب إلا أيامٌ يسيرة — على المشهور — حتى ماتت خديجة بنت خويلد رضي الله عنها — وقد قاربت الخامسة والستين على المشهور في سنّها — بعد خمسٍ وعشرين سنة من الزواج كانت فيها الصدرَ الذي يلجأ إليه: آمنت به إذ كفر به الناس، وصدّقته إذ كذّبوه، وواسته بمالها إذ حرمه الناس، ورزقه الله منها الولد. دفنها ﷺ بالحَجون ونزل في قبرها بنفسه. وظل يذكرها ما عاش حتى قال: «إني قد رُزقت حبَّها»، وكان يكرم صواحبها، وأثنى عليها — فيما رواه الإمام أحمد من حديث عائشة — بقوله: «آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدّقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء».
اشتداد الأذى
كان أبو طالب سياجَ الدعوة الخارجي وخديجة سكنَها الداخلي، فلما ذهبا في عامٍ واحد نالت قريش من النبي ﷺ ما لم تكن تطمع فيه في حياة عمّه؛ حتى اعترضه سفيهٌ فنثر على رأسه التراب، فدخل بيته والتراب على رأسه، فقامت إحدى بناته تغسله عنه وتبكي وهو يقول: «لا تبكي يا بنية، فإن الله مانعٌ أباك». وسمّى أهل السير هذا العام «عام الحزن» — السنة العاشرة من البعثة. ضاقت مكة بصاحب الرسالة، فرفع بصره إلى ما وراءها: مدينةٍ للطائف قريبة، لعل فيها أذنًا تسمع…
المصادر والمراجع
- وفاة أبي طالب وحرص النبي ﷺ على إسلامهصحيح البخاري (قصة أبي طالب)
- وفاة خديجة ومكانتهاصحيح مسلم (فضائل خديجة رضي الله عنها)
- ثناؤه ﷺ على خديجة: آمنت بي إذ كفر بي الناسالمسند — الإمام أحمد (حديث عائشة رضي الله عنها)
- أحداث عام الحزنالرحيق المختوم — صفيّ الرحمن المباركفوري