إيذاء قريش وصبر المستضعفين
من السخرية إلى المساومة إلى التعذيب — أساليب قريش في حرب الدعوة، وثبات بلال وآل ياسر وخباب تحت العذاب: أحدٌ أحد.
لما عجزت قريش عن إسكات الصوت الجديد بالكلام، انتقلت إلى ما هو أقسى: صخرةٌ على صدر عبدٍ في رمضاء مكة، وعائلةٌ كاملة تحت السياط… ومع ذلك لم يرجع أحد.
سلاح الكلمة أولًا
بدأت قريش حربها بأرخص الأسلحة: السخرية والتشويه. قالوا: ساحر، وقالوا: شاعر، وقالوا: مجنون — وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنه الصادق الأمين الذي ما جرّبوا عليه كذبًا قط. ثم جرّبوا المساومة؛ جاء عتبة بن ربيعة يعرض: إن كنتَ تريد مالًا جمعنا لك حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد مُلكًا ملّكناك علينا. فما زاده ﷺ على أن تلا عليه صدرًا من سورة فصلت، حتى قام عتبة إلى قومه بوجهٍ غير الذي ذهب به، يقول: خلّوا بينه وبين ما هو فيه. فلما أعيتهم الكلمة والمساومة، مدّوا أيديهم إلى من لا عشيرة تحميه…
أحدٌ أحد
كان بلال بن رباح عبدًا لأمية بن خلف، فكان أمية يُخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في رمضاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ويقول: لا تزال هكذا حتى تكفر بمحمد. فما يزيد بلال على كلمة واحدة يردّدها: أحدٌ، أحد. ومرّ أبو بكر فاشتراه فأعتقه لوجه الله. وكان آل ياسر — ياسرٌ وامرأته سمية وابنهما عمار — يُعذَّبون في رمضاء مكة، فيمرّ بهم النبي ﷺ لا يملك لهم من الأرض شيئًا، فيقول: «صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة». وذكر أهل السير أن ياسرًا مات تحت العذاب، وأن أبا جهل طعن سميةَ فكانت أول شهيدةٍ في الإسلام. وأما عمار فقال بلسانه ما أرضاهم وقلبه مطمئن بالإيمان، فنزل فيه — على المشهور — قوله تعالى في سورة النحل: «إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان». فإلى متى يمتد هذا الليل؟
ولكنكم تستعجلون
جاء خباب بن الأرت — وكان ممن يُعذَّب حتى وضعوا الجمر على ظهره — إلى النبي ﷺ وهو متوسّدٌ بردةً له في ظل الكعبة، فقال: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فجلس ﷺ محمرًّا وجهه وقال: «قد كان مَن قبلكم يُؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض فيُجعل فيها، فيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصدّه ذلك عن دينه». لم يعدهم بزوال الألم غدًا، بل علّمهم أن طريق الحق هكذا كان دائمًا، ثم رفع أبصارهم إلى ما وراء الألم: أمنٌ يعمّ الأرض حتى يسير الراكب وحده لا يخاف إلا الله. وبينما المستضعفون يصبرون، كان النبي ﷺ يدبّر لهم مخرجًا أول: أرضٌ يحكمها ملكٌ عادل، وراء البحر…
المصادر والمراجع
- أساليب قريش في مواجهة الدعوةالسيرة النبوية — ابن هشام (ذكر ما لقي رسول الله ﷺ من قومه)
- تعذيب المستضعفين: بلال وآل ياسرالرحيق المختوم — صفيّ الرحمن المباركفوري
- حديث خباب بن الأرتصحيح البخاري (كتاب المناقب)