رحلة الطائف
خرج إلى الطائف يرجو النصرة فرُدَّ بالحجارة حتى دميت قدماه — اليوم الذي قال عنه: كان أشدَّ عليّ من يوم أحد، وفيه أبى إلا الرحمة.
سألته عائشة رضي الله عنها بعد سنين: هل أتى عليك يومٌ كان أشد من يوم أحد؟ فلم يذكر يومًا من أيام الحرب… بل ذكر يومًا خرج فيه وحيدًا يعرض دعوته، فعاد يسيل الدم من قدميه.
عرضٌ على ثقيف
في شوال من السنة العاشرة للبعثة، بعد أن أغلقت مكة أبوابها، خرج النبي ﷺ ماشيًا إلى الطائف ومعه مولاه زيد بن حارثة، يرجو أن تؤويَ ثقيفُ الدعوةَ أو تنصر صاحبها. عمد إلى ثلاثةٍ من ساداتهم — إخوةٍ من بني عبد ياليل — فعرض عليهم نفسه، فما زادوا على السخرية؛ قال أحدهم: هو يَمرُط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك! وقال آخر: أما وجد الله أحدًا يرسله غيرك؟ فقام عنهم وقال: إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني — كره أن يبلغ قومَه فيزدادوا جرأة. لكن ثقيفًا لم تكتف بالرد…
الحجارة والدعاء
أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبّونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، ووقفوا له صفّين يرمونه بالحجارة، حتى دميت قدماه الشريفتان، وزيدٌ يقيه بنفسه حتى شُجّ رأسه. فلجأ ﷺ إلى حائطٍ — بستانٍ — لعتبة وشيبة ابني ربيعة، وجلس إلى ظل حَبَلة منهكًا مثخنًا، ورفع إلى السماء الدعاءَ الذي اشتهر في كتب السير: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي… إن لم يكن بك عليّ غضبٌ فلا أبالي». ورآه ابنا ربيعة فتحركت لهما رحِمٌ، فأرسلا إليه غلامًا نصرانيًّا يحمل قِطفًا من عنب…
عدّاس وملك الجبال
مدّ النبي ﷺ يده إلى العنب قائلًا: «بسم الله». فعجب الغلام: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد! فسأله النبي ﷺ عن بلده ودينه، فقال: نصراني من أهل نينوى. قال: «من قرية الرجل الصالح يونس بن متّى؟» قال: وما يدريك ما يونس؟ قال: «ذاك أخي، كان نبيًّا وأنا نبي». فأكبّ عدّاس يقبّل رأسه ويديه وقدميه. وفي طريق العودة أرسل الله إليه ملَك الجبال يستأمره: إن شئتَ أطبقتُ عليهم الأخشبين. فقال النبي المدمى المطرود: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يُشرك به شيئًا». ودخل مكة في جوار المطعم بن عدي. فإذا كانت الأرض قد ضاقت بهذا القلب… فإن السماء كانت تفتح له أبوابها.
المصادر والمراجع
- خروجه ﷺ إلى الطائف وردّ ثقيفالسيرة النبوية — ابن هشام (خروج رسول الله ﷺ إلى الطائف)
- حديث عائشة: يوم العقبة وملك الجبالصحيح البخاري وصحيح مسلم (بدء الخلق / الجهاد)
- دعاء الطائف وقصة عدّاسالرحيق المختوم — صفيّ الرحمن المباركفوري