غزوة تبوك
آخر غزوات النبي ﷺ في رجب سنة ٩هـ — غزوة العُسرة التي محّصت الصفوف، وتاب الله فيها على الثلاثة الذين خُلِّفوا.
على غير عادته في كل غزواته، أعلنها ﷺ صريحةً هذه المرة: إنا نقصد الروم. حرٌّ يشتد، وثمارٌ طابت وظلالٌ تُشتهى، وسفرٌ بعيد إلى أعظم قوة في الأرض — فكانت الغزوة ميزانًا فرز الله به الصفوف كلها.
سبب الغزوة
منذ يوم مؤتة — حيث صمد ثلاثة آلاف أمام جموع الروم وأنصارها — أدركت الروم أن قوةً جديدة تنهض في الجزيرة، وأدرك المسلمون أن حدود الشام صارت جبهةً مفتوحة. ثم تواترت الأنباء إلى المدينة عبر تجار الأنباط: هرقل جمع جموعًا، وقبائل عرب الشام الموالية له — لخم وجذام وغسان — تُحشد على الحدود تريد اجتياح أطراف الجزيرة قبل أن يستفحل أمر الدولة الجديدة. فرأى ﷺ ألا ينتظر أن تدهمه الحرب في عقر داره، بل يخرج بنفسه في قلب الصيف إلى حيث يجمعون، فتعرف الروم ومن والاها أن دولة الإسلام لا تُؤتى على غِرّة. فالسبب: دفع خطر الحشد الرومي المتنامي على الحدود الشمالية، وتثبيت هيبة الدولة بعد مؤتة. وأعلن ﷺ وجهته صريحةً لبُعد الشقة وشدة الزمان… فبدأ الامتحان قبل أن تبدأ الحرب.
جيش العسرة
كان النفير في حرٍّ شديد وجهدٍ من العيش، والمنافقون يثبّطون: «لا تنفروا في الحر». فتسابق أهل الإيمان على البذل: جاء عثمان بن عفان فجهّز من الجيش قسطًا عظيمًا — قيل ثلثه — عيرًا وإبلًا ونفقة، حتى قال ﷺ: «ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم»، وجاء أبو بكر بماله كله، وعمر بنصف ماله، وجاء البكّاؤون — سبعةٌ من الفقراء — يطلبون ما يُحملون عليه، فلما لم يجد لهم ﷺ شيئًا تولّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون. وخرج الجيش ثلاثين ألفًا — أعظم جيوش العهد النبوي — وتخلف المنافقون بأعذارٍ مصنوعة، وتخلف بلا عذرٍ ثلاثةٌ من الصادقين، منهم كعب بن مالك… وسيكون لصدقهم شأنٌ يتلوه القرآن.
تبوك بلا قتال، وتوبة الثلاثة
بلغ الجيش تبوك فعسكر بها قرابة عشرين ليلة، فلم تجرؤ الروم ولا عربُ الشام على لقائه؛ تفرّقت الحشود في البلاد. وجاء صاحب أيلة وأهل الحواضر المجاورة يصالحون على الجزية، فأمِنت الحدود، ورجع ﷺ بجيشه وقد بلغت هيبة الدولة مبلغًا جعل القبائل تفد بعدها من كل ناحية — فكان عام الوفود. وفي المدينة كانت القصة الأخرى: كعب بن مالك وصاحباه صدقوا رسول الله ﷺ في تخلفهم بلا عذر، فأمر الناس باعتزالهم خمسين ليلة حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، ثم نزلت توبتهم من فوق سبع سماوات، وقال ﷺ لكعب: «أبشر بخير يومٍ مرّ عليك منذ ولدتك أمك». قال كعب: فما أنعم الله عليّ من نعمةٍ بعد الإسلام أعظم من صدقي رسولَ الله ﷺ.
المصادر والمراجع
- ساعة العسرةالقرآن الكريم (التوبة ١١٧)
- قصة كعب بن مالكصحيح البخاري ٤٤١٨ ومسلم ٢٧٦٩
- أحداث الغزوة وسببهاالرحيق المختوم — صفيّ الرحمن المباركفوري
- تجهيز عثمان جيش العسرةسنن الترمذي (٣٧٠١)