غزوة الطائف
حاصر النبي ﷺ ثقيفًا بعد حنين، ولما لم تُفتح دعا: اللهم اهدِ ثقيفًا — فجاءوا مسلمين.
قبل عشر سنين خرج من هذه المدينة مدمى القدمين يرميه سفهاؤها بالحجارة… واليوم يقف على أسوارها بجيشٍ منتصر، ويُقال له: ادعُ عليهم. فيرفع يديه — ولكن بغير ما ظنّوا.
سبب الغزوة
لما انهزمت هوازن يوم حنين، فرّ قائدها مالك بن عوف في فلول قومه إلى الطائف، فدخلها مع ثقيف وأغلقوا حصونها — وكانت من أمنع حصون العرب، قد ملؤوها ميرةً وعتادًا يكفيهم سنة. فصارت الطائف آخر قلعةٍ ناصبة للعداء في قلب الجزيرة: فيها بقية جيش حنين وقائده، وفيها ثقيف التي طالما ناصبت الدعوة العداء منذ ردّت النبي ﷺ ورمته بالحجارة. فلو تُركت لعادت تجمع الجموع من جديد. فسار إليها ﷺ من فوره — في شوال سنة ٨هـ — لإطفاء آخر جمرة قادرة على إشعال حربٍ أخرى… لكن هذه الغزوة لن تنتهي كسابقاتها.
حصارٌ عسير
ضرب المسلمون الحصار على المدينة المحصنة قرابة شهر — وقيل بضع عشرة ليلة — ورموا الحصون بالمنجنيق — وذكر أهل السير أنها أول ما استُعمل في الإسلام — وحاولوا الدنوّ تحت الدبّابات الخشبية فأحمت ثقيف عليهم سكك الحديد بالنار. وكانت ثقيف رماةً مهرة، فأصابت سهامهم نفرًا من الصحابة. وأعتق ﷺ من نزل إليه من عبيد الحصن فأسلموا. فلما طال الأمر ورأى أن الحصون لا تُقتحم وأن القوم مستمسكون، استشار أصحابه، فأشار عليه نوفل بن معاوية: ثعلبٌ في جحر؛ إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرّك. فأذّن ﷺ في الناس بالرحيل… والصحابة يظنون الفتح فاتهم.
فتحٌ بالدعاء
شقّ الرحيل على بعض الصحابة قبل الفتح، فقالوا: يا رسول الله، ادعُ على ثقيف. فرفع يديه — والقوم ينتظرون دعوة تهلكهم — فقال: «اللهم اهدِ ثقيفًا وائتِ بهم». دعوةٌ تلخص الرسالة كلها: ما بُعث لعّانًا، وإنما بُعث رحمة. وصدق الله دعوته: فما هو إلا دون العام حتى قدم وفد ثقيف المدينة معلنين إسلامهم طائعين، بلا سيفٍ ولا حصار، وأسلم قبلهم مالك بن عوف نفسه — قائد حنين — لما بلغه حلم النبي ﷺ وردُّه عليه أهله وماله، فصار من عمّال الإسلام على قومه. فكان تركُ الفتح فتحًا: من عجزت عنه المجانيق فتحته الرحمة والدعاء.
المصادر والمراجع
- دعاؤه ﷺ لثقيفسنن الترمذي (٣٩٤٢)
- حصار الطائفالسيرة النبوية — ابن هشام (غزوة الطائف)
- سياق الغزوة بعد حنينالرحيق المختوم — صفيّ الرحمن المباركفوري